حسن الأمين

309

مستدركات أعيان الشيعة

التعصب لأبيه وشعر أبيه . وأنجب يحيى هذا ولدين أحدهما عبيد الله والثاني أبو عبادة يقول عنهما ابن خلكان انهما كانا رئيسين في زمانهما قصدهما المتنبي ومدحهما ولعل الثروة التي آلت إليهما من جدهما هي التي وضعتهما بمركز الرئاسة . واستئذان البحتري من المعتز يجعلنا نرجح ان الشاعر لم يكن يصحب زوجه وولده في رحلاته . وكان للشاعر خدم وغلمان . وقد توسل بأحد هؤلاء ويدعى نسيم بطريقة فريدة للحصول على المال . فهو يغري إخوانه بشراء هذا العبد ثم يشكو فراقه بحرارة حتى يعاد اليه . عقيدته كان البحتري في ظاهر أمره يتشيع لبني العباس ويظهر خلافتهم حقا لا مرية فيه وقد يغالي في ذلك حتى يعد غير مسلم ذلك الذي لا يعتقد ولاية العباسيين وخلافتهم ولو صام وصلى فالخلافة حق للعباسيين ووراثة ما تنزع ورثوا فخرها وشرفها من عم النبي العباس . وهو لذلك مبتهج كل البهجة برجوع الأمر إلى العباسيين لأن الحق عاد إلى نصابه بينما استقر الهوان في بني مروان : وأنتم بنو العباس عم محمد يمين قريش إذ سواكم شمالها وقد سرني ان الخلافة فيكم مخيمة ما أن يخاف انتقالها لكم إرثها والحق منها ولم يكن لغيركم إلا اسمها وانتحالها وان بني حرب ومروان أصبحوا بدار هوان قد عراهم نكالها يفضون ابصارا مغيظا ضميرها ويخفون الحاظا مبينا كلالها ذلك ظاهر أمره فهل كانت عقيدته مطابقة لهذا الظاهر أو كان يسر غيرها ويظهرها ؟ هذا السؤال يطرحه الدكتور أحمد بدوي ويرى مشروعية طرحه في كون الكثير من الناس أيام ملك بني العباس يؤمنون بأحقية العلويين في الخلافة حيث كان كثير من كبار رجال الدولة يؤمنون بخلافة العلويين ويقدمونهم وان كان الجميع يظهرون التشيع لبني العباس . أما اجابته على السؤال فتتضمن تأكيدا على أن البحتري كان جادا في عقيدته العباسية إذ لو أن الخلفاء عرفوا فيه نزعة علوية لأقصوه عنهم . ولا يرى حرجا باعتبار مظاهر تشيع البحتري على أنه لم يكن « ناصبيا » : فانا لم نعثر في شعر البحتري أيام المتوكل على ما يدلنا انه خاض في علي وسبه . . . بل لعله يتألم لما أصاب العلويين في ذلك العهد ( أيام المتوكل ) من اضطهاد وعنف حتى إذا جاء المنتصر ورد الحقوق مدحه البحتري بذلك ومضى يعدد الأسباب والدواعي التي توجب عليه تقريبهم لأنهم قرابته بل أشقاؤه . بل كان يحنو على علي بن أبي طالب ويعظمه ويراه أولى الناس بالخلافة بعد رسول الله يدلنا على ذلك روح قصيدته في المنتصر . . وانه هجا الحسن بن رجاء الذي ذم علي بن أبي طالب فقال له البحتري : يا سوأتا من رأيك العازب وعقلك المستهتر الذاهب ان وقفت سوقك أو اكسدت بضاعة من شعرك الخائب أنحيت كي تنفقها زاريا على علي بن أبي طالب ويقول من قصيدة لمحمد بن يوسف : كنا نكفر من أمية عصبة طلبوا الخلافة فجرة وفسوقا ونقول : تيم قربت وعديها امرا بعيدا حيث كان سحيقا ونلوم طلحة والزبير كليهما وننصف الصديق والفاروقا فأنت تراه يعد الأمويين عصبة كافرة فاجرة ويجد أبا بكر وعمر قد ظفرا بما لم يكونا ليظفرا به ويلوم طلحة والزبير لخروجهما على بيعة علي . والطريف انه ما من شيعي يستطيع إثبات تشيع البحتري بحجج أبلغ مما تقدم . الطريف هو في الاستنتاج الذي توصل اليه الدكتور بدوي من أن البحتري يدين بعقيدة أهل السنة التي منها الايمان بالقضاء والقدر - وكان الشيعة لا يؤمنون بذلك ! - بل ويراه سنيا يخوض لجة الدفاع عن عقيدته ! . . صاحب أعيان الشيعة ينقل عن عبد الجليل الرازي أستاذ ابن شهرآشوب المازندراني : البحتري من شعراء الشيعة وكان خصيصا بدعبل الخزاعي ومن أصدقائه كما في كتاب اكتفاء القنوع وغيره ، ذكر ذلك في ترجمة البحتري . وخلوص دعبل في التشيع مشهور وإكرام أبي تمام ( وكان شيعيا ) للبحتري أيضا كذلك . ويظهر من الشيخ أبي عبد الله أحمد بن عياش في كتابه ( مقتضب الأثر في إمامة الأئمة الاثني عشر ) ان البحتري وأبي الغوث الطهوي كانا في عصر واحد وكانا من الشيعة الاثني عشرية لكن البحتري يمدح الملوك وأبي الغوث يمدح آل الرسول . وذكر قصيدة لأبي الغوث في مدح الأئمة من آل محمد الاثني عشر قال كان البحتري أبو عبادة ينشدها وتلك القصيدة لا يمكن أن ينشدها إلا من كان من الامامية منها : ينابيع علم الله أطواد دينه فهل من نفاد ان علمت لأطواد نجوم متى نجم خبا مثله بدا فصلي على الخابي المهيمن والبادي هم حجج الله اثنتي عشرة متى عددت فثاني عشرهم خلف الهادي وإذا عدنا إلى شعره وجدنا إشارات تدل على تشيعه رغم الاضطهاد الشديد للشيعة من قبل ملوك بني العباس والذي عبر عنه شاعر شيعي بالقول : يا ليت ظلم بني مروان دام لنا وليت عدل بني العباس في النار على الرغم من جور العباسيين وعسفهم فالبحتري لم يدع متنفسا يستطيع التعبير فيه عن عقيدته المكبوتة إلا وأفاد منه . يهجو علي بن الجهم الشاعر لا لشيء إلا لأنه كان ناصبيا يعادي آل البيت : إذا ذكرت قريش للمعالي فلا في العير أنت ولا النفير وما رغثانك الجهم بن بدر من الأقمار ثم ولا البدور